طَوَّفت على دمشقْ، يسبقني إليها الوله والعشقْ..
فعشق الأولياء والصالحينْ، دأبي في كل آن وحينْ..
قالوا: هل زرت عشَّ الأولياءْ؟ إن لم تفعل فقد صار عمرك هباءْ!!
قلت وهل يَفوتُ طالبَ علمِ، أن يزوره ولو في الحلمِ..
زرته في الأول من أيلولْ، عساي ألقى من الله القبولْ..
وجدت عيوناً بالدموع غرقا.. ووجوهاً صفراً وزرقا..
فقلت علام هذا البكاء ؟ وفيم كل هذا النواح؟
فقالوا في مثل اليوم ارتقى شيخ الأولياء.. وبارتقائه أعتم الصباح..
غادرنا العالم الرباني.. ثم لحقه الشيخ بشير الباني..
فقلت في النفس سبحان الله .. لم يكتب لعيني أن تراه
سألتهم ألم يخلف وريثا.. يجِدُّ في إثره جدًّا حثيثا..
قالوا بلى قد خلف ابنه صلاحا.. فقطعت البكاء والنواحا..
قلت بشرى هلم إلى نسل الصالحين، وقبِّل الرأس واليد في كل حين..
وانتظرت موعد الصلاة المكتوبة، لئلا أجد في لقائه صعوبة..
وبعد الصلاة لفتني منظر الطلابْ، كلٌ في زاوية ومعه كتابْ..
فقلت أسأل هؤلاء، فطالب العلم يحفظ الولاء..
استوقفت طالباً فقلت دلني على رأس المجمع.. فرمقني وعينه بالعبرة تدمع..
قال: أما علمت أن الشيخ الرباني.. قد غادر هذا العالم الفاني؟!
قلت: بلى… ولكن قيل لي أنه ترك وريثا، يصنع الطيب ويجتنب الخبيثا..
قال: بل ترك مديرا.. يرى البشر كما يرى الحميرا..
فقلت: يا هذا تأدب .. ما هكذا تورد الإبل وتحلب..
فقال: أيها الغريب على رسلك، وما كان لي أن أكذب على مثلك..
الشيخ مات وترك وصية.. ولم يترك وريثاً أو بلية..
ترك ابنه على الدعاة مديرا.. وقيده بالتقى والشورى
أوصاه بالمحجة البيضاء، دأب الدعاة والأولياء
لكن الابن لم يكن وفيا.. وكان لشيخه شقياً عصيا
كيف للشيخ أن يخلِّف طعَّانا.. سبَّاباً للدين ولعَّانا؟!
فقلت: معاذ الله، فقد كان يحب الله ويخشاه.
أخبِرْني ولا تخفيني، قبل أن تكتحل بمرآه عيني..
قال: قد جاءنا في أول المشوار، يبتغي الإصلاح والحوار، وينعى على سابقه التفرد بالقرار..
فقلنا: أبشروا به مديرا، يسعى إلى التجديد والشورى..
لكن ما إن تمكن الذئب من الفريسة، حتى تجلت أخلاقه الخبيثة..
طرد الدعاة المخلصين، أبناء قلب أبيه في كل حين..
الذين مات عنهم راضيا، وبالثناء عليهم كان لسانه ماضيا..
وافترى على أبيه فرية .. قال: أبي أوصاني بطرد الفتية..
وكأن الشيخ كان عن ذلك في حياته عاجزا، فآثر التأخير وترك الناجزا..
وقال إفكاً عن الشيخ السامي، أوصاني أقودكم بـ (الصرامي)
وقال عن أولئك الدعاة الأسود: يربون جيلا أسوأ من اليهود..
عمر البنيان بالرخام والزخارف، وضرب صفحا عن العلم والمعارف..
أنفق على الزخرفة الملايينا، وأخذ منا كل ما في أيدينا..
لك أن تدرس في المجمع.. لكن قبل أن تدرس (ادفع)
لقد رأى طالب العلم النجيبا، لما يصرفه من الأموال بقرة حَلوبا..
وغدا المجمع الخيري والمجانيْ، مشروع كسب والطالب يعانيْ..
المهم في شريعته الإعلامُ، وعلى ذكره يقوم وينامُ..
يهوى مقولتهم: (استقبل وودع).. وفي العلاقات هو رجل مبدع..
أما الذكر والدعوة والدروس.. فهو تخلفٌ (برجلِهِ سَيَدوسُ)..
لسانه من اسمه براء.. فهو الفساد والافتراء..
لم يُهدَ إلى الطيب من الكلام.. وطبعه طبائع اللئام..
يقول دوماً ما يخدش الحياءَ.. لا يراعي رجالا أو نساءَ..
كم هرَبَتْ من وجهه عفيفات المُجمَّعْ.. لئلا يسمعن من فمه ما لا يُسمعْ..
فقلت ويحي ، واسمه صلاحُ ؟!!… والله لا أبقى ولا أرتاحُ..
رحم الله من قالَ.. وأهلنا قد وضعوا الأمثالا ..
سبحان الله ربنا قد حاكَ.. أن الورود تطرح الأشواكَ..
وشيخنا العظيم في تقواه .. كان كنوحٍ أحب ابنه واحتواه..
لكن ربنا في كتابه الواضح.. قال: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح)
ولو عَلِمَ العالِمُ المجددُ، أن ابنه في إرثه يعربدُ..
لما أبقاه في المجمع ساعة.. وفي سوق الرجال ما اشتراه وباعه
شهادة نشهدها لشيخنا الودود.. حين أدب ابنه محمود
يا رب فرِّج كربة المجمعْ، واجعله دوما للهدى مستودعْ
وأصلح الراعي مع الرعية.. إن كان في صلاحه رجية..
وإلا فلا تدع من المفسدين ديارا.. فقد أساؤوا واستكبروا استكبارا
إنك إن تذرهم يؤذوا عبادك.. ويزدادوا عتواً وإصرارا